من كل وادي خبر

منظمات دولية: إسرائيل ترتكب «إبادة بيئية» في جنوب لبنان

دخان أبيض كثيف فوق غطاء نباتي في الجنوب — توثيق مرتبط باستخدام ذخائر الفسفور الأبيض بحسب تقارير منظمات دولية
دخان أبيض كثيف فوق غطاء نباتي في الجنوب — توثيق مرتبط باستخدام ذخائر الفسفور الأبيض بحسب تقارير منظمات دولية
حرائق تلتهم الغطاء النباتي على تلة صخرية قرب مناطق مأهولة في جنوب لبنان
حرائق تلتهم الغطاء النباتي على تلة صخرية قرب مناطق مأهولة في جنوب لبنان

تكشف سلسلة من التقارير والتحقيقات الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية عن حجم الدمار البيئي الذي خلّفته العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، في صورة تتجاوز مفهوم «الأضرار الجانبية» المرافقة للنزاعات المسلحة لتقترب، بحسب هذه الجهات، من التوصيف القانوني لجريمة «الإبادة البيئية». فبين برنامجي الأمم المتحدة الإنمائي والبيئي (UNDP وUNEP)، ومنظمتي العفو الدولية ورصد حقوق الإنسان (Amnesty International وHuman Rights Watch)، ومراكز متخصصة في الأدلة الجنائية والبيئية مثل Forensic Architecture وStop Ecocide International ومعهد CNRS-L، تتقاطع الشهادات والبيانات لترسم صورة واحدة: تربة مسمَّمة، تضاريس مجرَّفة، وموائل طبيعية منهارة، في منطقة تُعدّ من أدق نقاط العبور في خريطة الهجرة العالمية للطيور.

حين يتحول الدمار إلى توصيف قانوني

لم تعد الأوصاف التقليدية التي تحصر الأثر البيئي للحرب بخانة «الأضرار الجانبية» كافية لتفسير حجم ونمط العمليات التي نفذها الجيش الإسرائيلي على امتداد الشريط الحدودي الذي يحتله من جنوب لبنان. فالتحقيقات المستندة إلى الأدلة الرقمية ومنظمات رصد النزاعات تتقاطع اليوم مع التعريف القانوني المعاصر لـ«الإبادة البيئية» (Ecocide)، كما ورد في المادة 8 (2) (ب) (4) من نظام روما الأساسي، والذي يشترط لتحقق الجريمة أن تكون الأفعال مقصودة وممنهجة، وأن تُحدث أضراراً واسعة النطاق، وشديدة، وطويلة الأجل بالبيئة الطبيعية.

فاستراتيجية «الأرض المحروقة» التي اعتُمدت عبر القصف الحارق المكثف، وتفجير القرى الحدودية بعد السيطرة عليها، وتجريف التلال بجرافات عسكرية من طراز D9، لم تكن — بحسب هذه القراءة — نتيجة عرضية للقتال، بل مساراً متعمداً لتجريد المنطقة من أي مقومات بيولوجية قادرة على استعادة الحياة، سواء النباتية أو المجتمعية، لعقود مقبلة.

تربة تُعقَّم بالنار

تشكّل المعطيات المخبرية الميدانية حجر الأساس في إثبات هذا الأثر طويل الأمد. فقد وثّقت منظمتا العفو الدولية ورصد حقوق الإنسان إسقاط ذخائر الفسفور الأبيض عيار 155 ملم فوق مساحات شاسعة من الأحراج والقرى، من الضهيرة إلى كفركلا وعيتا الشعب، في حرائق التهمت ما يزيد على 18 مليون متر مربع من الغابات والمزارع المعمرة. غير أن الأثر لا يتوقف عند اشتعال النار؛ فالفسفور الأبيض يحترق عند درجات حرارة تتجاوز 800 درجة مئوية، وهي حرارة كفيلة بإحداث ما يوصف علمياً بـ«التعقيم البيولوجي للتربة»، إذ تتفحم المادة العضوية وتموت الكائنات الدقيقة والفطريات الجذرية التكافلية التي تُعدّ ضرورية لخصوبة الأرض، فتتحول التربة الخصبة إلى مادة خاملة عاجزة عن امتصاص الماء أو إنبات البذور.

إلى جانب ذلك، أظهرت فحوصات مقارنة لعينات التربة أجرتها هيئات علمية وطبية، منها معهد CNRS-L وشبكات رصد ميدانية كـAmel International، ارتفاعاً خطيراً في تركيزات المعادن الثقيلة الناتجة عن انفجار الذخائر والصواريخ، وتحديداً الرصاص والنحاس والزنك والإثمد، الذي بلغت نسبته في بعض النقاط أضعافاً مضاعفة عن معدلاتها الطبيعية. وهو ما يُنذر بتسرّب هذه السموم إلى المياه الجوفية، ثم انتقالها عبر السلسلة الغذائية إلى المحاصيل والمواشي، ثم إلى الإنسان في نهاية المطاف.

طبوغرافيا مُمحوّة ومياه مهددة

كشفت تحليلات صور الأقمار الاصطناعية (Sentinel-2)، إلى جانب تحقيقات مشتركة بين Forensic Architecture وLighthouse Reports، أن التجريف العسكري والتفخيخ الممنهج للبلدات والقرى الجنوبية لم يكن نشاطاً عسكرياً ظرفياً، بل مسحاً طبوغرافياً شاملاً طال معالم الأرض نفسها.

فاقتلاع مئات الآلاف من أشجار السنديان والزيتون المعمرة أفقد طبقات التربة السطحية تماسكها الميكانيكي على المنحدرات الجبلية، ما تسبب بانجرافات ترابية حادة مع أول الهطولات المطرية. وفي الوقت نفسه، أدت كتل الردم الناتجة عن نسف الأحياء، إلى جانب الانجرافات الكيميائية، إلى ردم ينابيع طبيعية وتلويث روافد أساسية، أبرزها حوض نهر الليطاني ونهر الوزاني ومشاريع الري الحدودية — وهو ما يعني عملياً ضرب الأمن المائي في منطقة تعتمد بنيوياً على الزراعة والمياه العذبة.

ممر الهجرة العالمي في مهب الانفجارات

يقع جنوب لبنان في قلب أحد أهم الممرات الجوية في العالم لهجرة الطيور المحلقة، ضمن مسار الوادي المتصدع والبحر الأحمر (Rift Valley / Red Sea Flyway)، وهو ثاني أكبر شريان لهجرة هذه الطيور على مستوى الكوكب. وتشير تقارير شبكات دولية لحماية الطبيعة والطيور، من بينها جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) ومنظمة BirdLife International، إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية أحدثت قطيعة حيوية حقيقية في هذا المسار.

فالطيور المهاجرة — كاللقالق البيضاء والبجع وعقبان السهوب والجوارح المحلقة — تقطع آلاف الكيلومترات فوق البحار والتضاريس الوعرة، معتمدة اعتماداً كاملاً على وديان الجنوب وغابات بلوطه وسهول مرجعيون والخيام كمحطات للراحة وشرب الماء والتغذي على الحشرات والقوارض، من أجل تجديد مخزونها من الدهون قبل عبور الصحراء الأفريقية. وباحتراق هذه الموائل وتجريفها، اختفت هذه المحطات الحيوية، ما أسهم في نفوق أعداد كبيرة من الطيور جراء الإجهاد الأيضي الشديد والجوع.

ولم يقتصر الأثر على فقدان الموائل؛ فالضجيج فوق الصوتي المستمر، وأسراب الطائرات المسيّرة، والمقذوفات الانفجارية، وسحب الدخان الكيماوي، فرضت على أسراب الطيور الالتفاف نحو مسارات جانبية أطول وأكثر وعورة، ما أدى إلى تشتت الأسراب وفقدانها التيارات الهوائية الصاعدة التي تحتاجها للتحليق، وانخفاض نسب وصولها إلى مناطق التكاثر والتشتية.

كما أن تراجع أعداد الطيور الجارحة المقيمة والمهاجرة، كالبوم وصقور العوسق، إلى جانب الحيوانات المفترسة المحلية، حرم النظام البيئي الجنوبي من حرّاسه الطبيعيين، وهو ما مهّد لانفجار أعداد القوارض والآفات الزراعية في الأراضي الناجية من الدمار، وكسر بذلك حلقة توازن غذائي استقرت لقرون.

خلاصة: من التوثيق إلى المساءلة

تُجمع هذه المعطيات العلمية والتوثيقية الدولية على أن ما شهده جنوب لبنان لم يكن دماراً عمرانياً فحسب، بل تقويضاً ممنهجاً للنظم الإيكولوجية، تتوافر فيه — بحسب هذه الجهات — أركان جريمة الإبادة البيئية. واستعادة عافية هذا النظام البيئي، كما تشير التوصيات، لا يمكن أن تتم عبر معالجات سطحية، بل تستدعي:

  • تثبيت التوصيف الجنائي البيئي أمام المحافل الدولية والمحاكم المختصة، تمهيداً لإلزام الجهة المسؤولة بتعويضات بيئية كاملة.
  • إطلاق برامج معالجة حيوية (Bioremediation) متقدمة للتربة الملوثة بالمعادن الثقيلة قبل استئناف أي نشاط زراعي.
  • إعادة تأهيل عاجلة لمحطات استراحة الطيور والمحميات الطبيعية، إنقاذاً لشريان بيئي عابر للحدود لا يخص لبنان وحده، بل يمسّ استمرارية التنوع البيولوجي على مستوى القارتين الأوراسية والأفريقية.