من كل وادي خبر

الصمتُ الذي يتكلّمه الخيل

حصان كستنائي يقف على قائمتيه في مرعى أخضر.
حصان كستنائي يقف على قائمتيه في مرعى أخضر.

عن أولئك الذين لا يمتطون الخيل ليصلوا، بل ليبقوا

قبل أن تُشرق الشمس على الإسطبل بساعة، يكون ثمة رجل أو امرأة قد سبقها إلى هناك. لا كاميرات ولا جمهور ولا كؤوس على الرفّ. فقط رائحة التبن والرمل الندي، وأنفاس دافئة تتصاعد في هواء الفجر الأخير قبل حرارة النهار، وحافرٌ يطرق الأرض طرقةً واحدة كأنه يقول: تأخّرت.

هذا هو العالم الذي لا تصوّره الصحف. عالم محبّي الخيل الحقيقيين، الذين يعرفون أن الفرس لا تُملَك بل تُصاحَب، وأن الثقة التي تُبنى على مدى سنوات قد تنهار في لحظة إن أُهملت. يقولون في الإسطبلات إن الخيل تقرأ صاحبها قبل أن يقرأها. تلتقط توتّر كتفيه، وتردّد يده، وما في صدره ولم يقله. لذلك لا يكذب أحدٌ أمام حصان.

طقوس الفجر

ولهذا العالم طقوسه الهادئة. تنظيف الحافر ليس واجبًا بل عادة تأمّل، والتمشيط الطويل حوار بلا كلمات، وسرج الجلد الذي يزداد لينًا مع السنين يحمل ذاكرة صاحبه كما يحملها دفتر قديم. أما الفارس الذي يبدأ نهاره بالركض قبل أن يقف لحظة عند رأس فرسه ويتنفّس معها، فيفوته نصف ما جاء من أجله.

وفي هذه الحياة أناقة لا علاقة لها بالبذخ. هي أناقة الجودة التي تدوم: حذاء ركوب تعتني به عشر سنوات فيصير أجمل، وقميص من الكتان الخفيف يتشرّب عرق الصباح ورائحة الخيل معًا، وإسطبل بسيط لكنه مرتّب كأنه صالة استقبال. الترف هنا أن تملك الوقت، وأن تقضي ساعة كاملة في عناية بمخلوق لا يشكرك إلا بنظرة.

حصان أبيض يعدو في أرض مفتوحة.
حصان أبيض يعدو في أرض مفتوحة.

الحرارة معلّمًا

في بلادنا، للحرّ حكمه على الإسطبل. ومحبّ الخيل الحقيقي لا يقاوم الحرّ بل يُصادقه ويتعلّم إيقاعه:

  • مواعيد الركوب: الفجر الباكر وما بعد العصر هما وقتا الفرس والفارس. وما بين ذلك للظل والراحة.
  • الماء أولًا: الحصان يشرب عشرات اللترات يوميًا، وأكثر في الأيام الحارة. يجب أن يكون الماء نظيفًا وباردًا قدر الإمكان ومتوفرًا دائمًا. وفي الجهد الطويل تُضاف الأملاح (الإلكتروليتات) بإشراف الطبيب البيطري؛ فالعرق يأخذ من الجسد أكثر من الماء وحده.
  • التبريد بعد الركوب: لا يُترك الحصان فجأة بعد الجهد. يُمشّى حتى يهدأ نفَسه، ثم يُبلَّ جسده وساقاه بالماء الفاتر أو البارد ويُزال الماء الزائد عن الجلد، فيبرد بسرعة ولا يحتبس الحرّ عليه.
  • إشارات الإنذار: التنفس السريع المتواصل، أو انقطاع العرق فجأة، أو الخمول غير المعتاد. هذه علامات على إجهاد حراري، والاتصال بالطبيب حينها لا يحتمل التأجيل.
  • الرمل وأخطاره: الأرض الرملية تبدو ناعمة، لكن الحصان الذي يأكل علفه من الأرض قد يبتلع الرمل مع الغذاء فيصاب بما يسمّى «مغص الرمل». الأفضل تقديم العلف في معالف مرتفعة أو على حصائر، وإعطاء الحصان نصيبه من الألياف بانتظام.
  • الحافر: الجفاف الشديد يجعل الحافر هشًّا، فيحتاج إلى ترطيب متوازن وعناية منتظمة من الحدّاد، لا إلى الإفراط في المستحضرات.

وهذه هي المعرفة التي يكتسبها أهل الخيل بالمعاشرة، وقد كان أجدادنا يتقنونها في الصحراء قبل أن تُكتب في الكتب. فالخيل العربية، التي عُرفت بصبرها وقدرتها على تحمّل الأرض القاسية، تردّ العناية بولاءٍ لا يعرف مثله كثير من الكائنات.

أهل الأرض وأهل السماء

ومن يعرف الخيل يعرف الأرض أيضًا. يعرف أي المراعي تنضج أولًا، وأي الدروب تلين تحت الحافر، ومن أي جهة تأتي الريح. وكثيرًا ما تجد محبّ الخيل محبًّا للطيور كذلك، من الصقّار الذي يقف بالطير على ساعده إلى الراكب الذي يتوقف ليتأمل سربًا يعبر عند الغروب، لأن كليهما تعلّم الإصغاء: إلى صهيل بعيد، أو إلى جناح يشقّ الهواء فتلتفت الفرس بأذنيها قبل أن يراه أحد.

ثمة من يقول إن الخيل تُعلّم الصبر. والأصدق أنها تُعلّم الحضور. فحين تمتطي فرسًا في أرض مفتوحة عند الأصيل، والشمس تنحدر بلون العسل على الكثبان، لا يبقى في رأسك بريد ولا مواعيد، بل إيقاع أربع حوافر، ودفء جسد تحتك، وأفق يقترب على مهل.

هذا ما يعنيه أن تكون من أهل الخيل: أن تعرف أن أجمل ما في الركوب هو اللحظات التي لا تبدو فيها ذاهبًا إلى أي مكان.