header

الأميرة بسمة بنت علي: لم أعد أصطاد في البحر..

سمو الاميرة بسمة بنت علي

انها اكثر من وجه نسائي ينتمي الى سلالة اردنية حاكمة.. هي نبض لا يهدأ، وثقافة مليئة بالتواضع، وحركة لا تعرف الرضوخ الى التعب..
تنتمي إلى جمال الطبيعة، تعيشه، تلامسه بضوئها لتحميه من عتم الدمار..مؤمنة بالتوزان، تسعى إلى بيئة سليمة لأجل انسان سليم..
الاصرار على النجاح عندها ليس ردّة فعل، انه تنفس طبيعي يومي، ولهذا تضع بصماتها الواضحة على كل عمل تقوم به.
صاحبة السمو الملكي الاميرة بسمة بنت علي، رئيسة الجمعية الملكية لحماية البيئة البحرية ورئيسة الحديقة النباتية الملكية الاردنية.. التقتها مجلة “صيد” في مكتبها في الاردن في حديث شيّق حول حياتها وانجازاتها.

 

الاميرة بسمة في عالمها المائي

تميزت باهتمامك بموضوع البيئة من خلال الجمعية الملكية لحماية الحياة البحرية، والحديقة النباتية الملكية.. الى اي مدى تعني لك البيئة؟ 
انا احب الطبيعة منذ صغري، والسبب في ذلك هم اهلي الذين عوّدونا من خلال تربيتهم لنا على كيفية التعاطي مع الطبيعة، فلم نكن الاولاد الذين يجلسون لساعات امام التلفزيون، انما كنا الاولاد الذين يقضون معظم الوقت في الخارج بين النباتات والماء، ولهذا لم احب حياة المكاتب والجلوس خلفها. وقد كان للوالدة دور كبير في هذا، حيث كانت تخبرنا عن الطبيعة وتشجعنا على صنع اشياء فنّية منها، وكان الوالد يمارس الغوص في البحر الاحمر وكنا نرافقه على ظهر المركب في رحلات الصيد، حيث كنت ارتعد خوفا من البحر. “تضحك”
من الخوف.. الى الحب. كنت ترتعدين من البحر واليوم تحمين بيئته؟ 
“تبتسم” نعم الامر هكذا.. وتتابع: بالرغم من خوفي السابق، فقد دخلت القوات المسلحة، وكان القصد من ذلك ان اتعلّم واتدرّب، وقد قمت بدورة غوص واكتشفت من خلالها البيئة البحرية واغرمت بها، وفي نفس الوقت رأيت الاساءات التي تتعرض لها، وصمّمت ان افعل شيئا لاجلها، فبدأت اقوم بأعمال صغيرة وبسيطة للحد من الاثر السلبي عليها، الى ان طوّرنا فكرة الجمعية مع بعض الاصدقاء وأسّسناها لتقوم بأعمال اكثر فاعلية.
ادونيس الخطيب والاميرة بسمة بنت علي في مكتبها في الاردن
هل اهمّية هذه الجمعية تكمن في انها تحمل الصفة الملكية  فقط ام هناك اسباب اخرى لنجاح مهماتها؟
الصفة الملكية تساعد وجلالة الملك ايضا يدعمنا، ولكن في جمعيتنا فريق مدرّب ومؤهل بشكل كبير على كل المستويات وقادر على دراسة الاثر البيئي، واعطاء التوجيهات اللازمة والدراسات الضرورية، وقد ارغمت دراساتنا المسؤولين على اجراء تغييرات عديدة في تصاميم المشاريع السياحية بما يتلاءم مع حماية البيئة البحرية.
ويتدخل السيد فادي شرايحة (مساعد سمو الاميرة في الجمعية) ليوضح سبباً مهماً من اسباب نجاح الجمعية وهو “ان الاميرة لا تقف جانبا وتكتفي بإعطاء الاوامر بل تتواجد في الميدان وتعمل بيدها فيكون عملها هو التثقيف والتعليم بالقدوة وليس بإعطاء الاوامر فحسب”. وتكمل سمو الاميرة موضحة ان “النجاح الذي نحققه رويدا رويدا هو بسبب الاعضاء الذين لم يأتوا للحصول على وظيفة فقط  بل هم من انصار البيئة ويعرفون اهميتها ويؤمنون بهذه الرسالة ويعشقون هذا العمل”.

  بعد تعلقك بالبيئة البحرية وتأسيسك الجمعية، هل انت ضد الصيد البحري او ترينه فعلاً طبيعياً، ولكن بتوزان ووعي؟

اساس علاقتي مع البحر في بدايتها كانت بسبب رحلات الصيد فيه، واذكر انني كنت احبه كثيرا، ولكن بعد الغوص ومشاهدتي للبيئة البحرية وما يحدث لها من مآس، لم اعد استطيع الصيد، وهذا لا يعني انني مع منعه بشكل مطلق، فإذا نظّمنا عملية الصيد وبنينا قراراتنا على اسس علمية موثقة بأرقام ودراسات دقيقة، فكل شي سيتم من دون اذى، اذ ان كل امر يكون متوازنا يحقق الغاية المرجوة بشكل ايجابي.
الاميرة بسمة تحت الماء
ما هي الامور التي توّفق بين الصيد وحماية البيئة، وهل يمكننا ان نخلق شخصية الصياد المثقف بيئياً؟ 
اولا، للتوفيق بين الصيد وحماية البيئة علينا ان نكون واعين لوضع البيئة البحرية وطبيعتها من خلال الاطلاع على ما تقوم به المؤسسسات العلمية من دراسات وتعممها على الناس، عندها يمكننا ان نخلق شخصية الصياد المثقف الذي تحدثت عنه، والذي من خلال معرفته ووعيه يعلم ما يمكنه ان يصيد وما يجب ان يتجنّب صيده. وتتابع:  حين التقيت الامير البير في موناكو قبل عامين، حدّثني كيف ذهب الى مطعم يقدّم السمك، وكيف أنه حين رأى على لائحة المأكولات احد انواع الأسماك الممنوع صيدها، طلب من الادارة ازالة هذا النوع المحمي، وخرج ولم يعد الى المطعم الا بعد ان شطب هذا النوع من اللائحة، وتضيف: لقد شكل هذا الامر رسالة لكل المطاعم وعملا موفقا لاجل حماية الحياة البحرية. وتكمل: هناك امر رأيته في اميركا ايضا واعجبني كثيرا وهو ان المطاعم تحدد انواع السمك المسموح اكلها في كل فترة، من خلال كتيّب صغير تقدمه لزبائنها.
ماذا يمكن ان تقدم البيئة البحرية الاردنية للصياد من دون ان تصاب بخسائر؟
متعة النظر. “تضحك وتكمل” ان اي زائر سيذهب في نزهة بحرية في العقبة سيستمتع كثيرا، وهناك مسابقات كثيرة للصيد عندنا، ولكن بصراحة انا لا اشجّعها كثيرا فهي ستؤثر على البيئة البحرية حتما، ونحن ليست لدينا الإمكانات لنوفّرها للصيادين  ليمارسوا هوايتهم بالشكل المثالي.
هذا الكلام لن يُفرح الصياد البحري ابدا. 
على العكس، يجب ان يفرح كثيرا، فمن دوننا  تتضرر هوايته في الصيد عاجلاً ام اجلاً، فنحن من خلال محافظتنا على البيئة البحرية نؤمّن له استمرار هذه الهواية  بشكل سليم ومجدٍ. كما اننا نحب ان نتشارك مع الصياد في افكاره ونعرف منه عن كل ما يتعلق بهذه المواضيع من دوافع ومتعة ومشاكل وحاجيات وطموحات،   لنكوّن من نظرته مادة عملية موضوعية تفيدنا في دراساتنا، فهناك تكامل بيننا وبينه وليس تنافر.

 

الاميرة بسمة ترمي بالمسدس الحربي

ماذا حققتم حتى الان فعليا في مجال حماية البيئة البحرية؟
اذكر انني عندما بدأت بالحديث عن البيئة البحرية في اوائل التسعينات لم يكن الكثيرون يفهمون عمّا اتحدث بالضبط، بل كانت الفكرة مثيرة للسخرية، لان نظرة الناس للبحر كانت نظرة سطحية، وكانوا يقولون انني اضيّع وقتي بعمل غير مجدٍ. ولكن اليوم، اصبح الكثيرون يعرفون عن البيئة البحرية الكثير من التفاصيل الدقيقة، وهذا بحد ذاته انجاز كبير جدا، فالمعرفة هي اساس كل شي، ومن دون معرفة لا نستطيع بناء اي مشروع ناجح. والى جانب عدة مشاريع عملية ونشاطات بيئية قمنا بها، ركزنا عملنا ايضا مع الاطفال والنوادي البيئية في المدارس، لان هذا الجيل الجديد سيصل حتما الى المناصب ويصبح من اصحاب القرار، ويكون لديه وعي كامل تجاه بيئته. وهكذا، نحن نستثمر بهم لمستقبل واعد. ولقد تطور عملنا في تعليم الاطفال في المدارس؛ فبعدما كنا نقوم بهذا العمل على مستوى الجمعية وحدها، اصبحنا اليوم نقوم به على مستوى دولي من خلال مؤسسة دولية، وهي مؤسسة التعليم البيئي. ولكن في كل الاحوال طموحاتنا اكبر من بكثير من الانجازات التي تحققت، فنحن حريصون جدا على عملنا لان البيئة السليمة تقلل من نسبة الفقر ونسبة الامراض في المجتمع، وتقدم حياة متوازنة للانسان من دون اضرار.
بمَ تمتاز البيئة البحرية الاردنية وما هي مشاكلها؟ 
 تمتاز بيئتنا البحرية في العقبة بجمال فتّان وتنوّع احيائي مهم نتيجة الحيود المرجانية الكثيرة، التي تمتلك خصوصية مهمة لوجودها على الشاطئ نفسه، وهو امر فريد وغير موجود في اي مكان آخر في العالم. ولكن ما يحزنني ان تنوّع وظائف الشاطئ ادى الى حصول ضغوطات كثيرة من القطاع الصناعي والتجاري والسياحي على هذه المسافة التي تبلغ حوالي 27 كليومتراً، وهي المنفذ الوحيد للاردن على البحر، وهناك مسؤولية كبيرة على رجال الاعمال الذين لا ينظرون الى جانب استثمار هذه البيئة بطريقة سليمة بل ينظرون الى الربح السريع بكل الطرق.
 الاميرة بسمة تصافح الملك حسين
ما هو دور جلالة الملك عبدالله في الحفاظ على البيئة وكيف هي علاقته بالجمعية؟ 
لدى جلالة الملك عبد الله رؤية كبيرة ومهمة تجاه البيئة، وهو اهتم قبل اي منّا بموضوع البيئة البحرية؛ ففي العام 1986 حوّل مكان السفينة الغارقة في العقبة الى مكان آمن للغوص، كي يتمتع الزائر بمشاهدة جمال هذه البيئة المتميزة بمرجانها واسماكها ونباتاتها البحرية الجميلة. ومن اهم مواقف جلالته تجاه البيئة الغاء تصاميم للقصر الملكي في العقبة بناء على طلبنا لانها لم تراع الوضع البيئي، وهذا الامر نادر الحصول مع قادة الدول. اما عن علاقته بالجمعية فهو يساندنا دائما ويدعمنا. وتضيف مبتسمة: انتم كمجلة صيد يهمكم ان تعرفوا ان جلالته صياد ماهر.
انتم منتمون الى حملة “نظفوا العالم”… الى اي مدى نجح هذا النشاط العالمي في الاردن؟
بدأنا هذا النشاط العالمي المهم  قبل 19 عاما تقريبا في الاردن، وكنا نقوم به في البدايات على مستوى الطلاب كحملة صغيرة نحضر لها بحملات التوعية في المدارس قبل شهر من توقيت تنفيذها حتى يكون الجميع مستعدا، وقد تطور هذا النشاط  وتوسع عندنا فأخذ يضم العائلات وتقام خلاله امسيات ومشاريع، كما زاد عدد ايامه. وتكمن اهمية هذا النشاط في عدم شعور المرء انه الوحيد الذي ينظف ويهتم بالبيئة، بل هناك آخرون كثيرون جدا في هذا اليوم نفسه في كل انحاء العالم يقومون بالعمل نفسه ولكن حسب الاماكن التي اختاروها للتنظيف.
برأيك هل القوانين الاردنية والتشريعات كافية لحماية البيئة؟
لا، انها غير كافية. ولكن الوضع يتحسن يوما بعد يوم ولا يمكن ان نعتبر وضعنا مأسويا، فالطبيعة تهتم بنفسها ويكفي ان نعطيها الفرصة لتتنفس فتعود الى صحتها بسرعة، ونأمل في ان تكون المحميات بعد فترة من الزمن اماكن لممارسة هواية الصيد بتوازن.

من ارشيف الاميرة بسمة رحلة صيد سمك قبل توقفها عن الصيد البحري

 

الصيد بالصقر “رياضة من تاريخنا”
 حدثتنا الأميرة عن علاقتها بالصيد البري الذي تحبه والذي مارسته مع شقيقها، حيث اعتادا على صيد العصافير، الى ان انجبت اولادها، ولم يعد لديها متّسع من الوقت للصيد بسبب كثرة المسؤوليات. واخبرتنا عن كيفية تدريبها لصقرها الصغير الذي اصطادت به الطيور الصغيرة، مشيرة الى الخطوات الاساسية في التدريب، والتي تعلمتها من خلال التجربة لا من خلال قراءة كتب تدريب الصقور. موضحة ان لكل صقر شخصيته الخاصة، مؤكدة انه اذا كان الصقر لا ينطق فهذا لا يعني انه لا يمكن التواصل معه بوضوح. كما اعربت عن تشجيعها على الصيد بالصقر لانه “رياضة من تاريخنا” ولا تسبب الابادة للطيور كالاسلحة النارية.
كسيدة كيف تنظرين الى النساء في عالم الصيد، هل تتوافق شخصيتهن مع هذه الهواية؟
انا لا افرق بين الرجل والمرأة في اي شيء، وفي الاساس كانت المرأة في الايام الخوالي تشارك الرجل في عملية الصيد وتقوم بعملية تحضير الطيور التي تمّ اصطيادها للاكل، ولكننا نسينا هذه الامور حين تمدّنا، واقول لك انه من المضحك ان نعتبر الصيد  يؤثر على انوثة المرأة.
احببت الطبيعة.. ما هي الهويات التي تمارسينها فيها؟
احب الغوص طبعا وايضا السير في الطبيعة والتخييم.. كنا ننام في أكياس النوم في وادي رم قبل ان يكون هناك اي مشروع سياحي، وما زلت امارس هذه الامور، وقد علمتها لاولادي منذ صغرهم كي لا يكونوا ضعفاء بل اقوياء وكي يتحملوا المسؤولية ويتكلوا على انفسهم، فتكون هذه التربية هي المثلى بدلاً من تربية اخرى تعتمد على اللهو فقط، والتي قد تفسدهم.
من ترينه بطبيعته يضر بالبيئة اكثر الرجل ام المرأة؟
الجاهل من الجنسين.
الى اي مدى ترين انه يمكن للمرأة العربية ان تساهم في حماية البيئة؟
 تستطيع المرأة العربية ان تساهم في الكثير لانها معلمة وامّ، وهي قادرة ان تلعب الدور الاساسي في تربية الجيل الجديد، فإذا كانت تحب البيئة وتحترمها، فحتما سيكون اولادها مثلها.. فالتعليم يكون بالقدوة وليس بالتنظير من بعيد.

الاميرة بسمة  مع ادونيس الخطيب وصفا الناصر

على ذكر الامهات، هل كان لوالدتك علاقة بالصيد؟

ابدا، هي فنانة تشكيلية، وقد اسست الجمعية الملكية للفنون الجميلة، والمتحف الوطني في الاردن، وكلية الفنون التشكلية في الجامعة الاردنية، ومن الطريف المهم ان تخرجي من الجامعة تزامن مع نيلها شهادة الدكتوراه في تاريخ الفن الاسلامي، هي اليوم سفيرة الاردن في إيطاليا.
بعد هذا اللقاء بيننا كمجلة للصيد وبينك كحامية للبيئة، كيف تنظرين الينا والى عملنا؟ 
“انها خطوة ممتازة فكرة تأسيس هذه المجلة التي هي منبر للصياد وتحمل بُعدا بيئياً، ونستطيع من خلالها ان نوصل رسالتنا الى القيّمين على القرارات والقادرين على احداث التغيير الايجابي لمصلحة البيئة في العالم العربي، لنقدم معا لبيئتنا العربية صيادا نموذجيا يمارس هوايته من دون ان يلحق الاذى بها، ويحافظ على استمرار هذه الهواية من خلال محافظته على البيئة. أنتم تلعبون دورا مهما وقيّما.
قالت في المقابلة
احب الصيد البري ولكن بشرط ان يكون الهدف تحويل الطريدة الى طعام لا القيام بالقتل كهواية فقط، لانه يعتبر بمثابة جريمة. 
 
 كان الوالد يلفت نظرنا حين كنا نذهب الى الصحراء الى كل التفاصيل الكبيرة منها والصغيرة، وهذا ما جعلني ارى ان الصحراء ليست فارغة
 
 التنوع النباتي في الاردن هو اكثر من ايرلندا وبريطانيا مجتمعتين بالرغم من عدم وجود الكثير من الماء عندنا، لذا علينا ان ندرّب أعيننا على رؤية هذه النباتات لاننا لسنا معتادين على رؤيتها. 
 
هناك محميات برّية مُنع الصيد فيها فتكاثرت اعداد الطيور بشكل كبير، الامر الذي جعل المسؤولين يسمحون بالصيد مجددا بعد الحصول على التراخيص والالتزام بصيد عدد محدد من الحيوانات والطيور لكل صياد.
علاقتنا مع الجمعية الملكية لحماية الطبيعة، علاقة تعاون وتكامل
 

مقالات ذات صله