من كل وادي خبر

الصيد كسياحة ومورد تنمية ٢ من ٣

الصيد السياحي في دول المغرب العربي

صياد يرفع بندقيته في ميدان الكودية بالمغرب، بحسب صفحة المنظّم.
صياد يرفع بندقيته في ميدان الكودية بالمغرب، بحسب صفحة المنظّم.

من وكالات السفر الأوروبية إلى النزل والمرشدين وفرق العمل المحلية… كيف تتحول رحلة الصيد إلى خدمات ودخل في المغرب وتونس، وما الذي تحتاجه التجربة الجزائرية لتوسيع حضورها السياحي؟

قد تبدأ الرحلة في مكتب بباريس أو لندن، لكن يوم الصيد نفسه لا يصنعه المكتب وحده. خلفه سائق يستقبل المجموعة، ونزل يجهز الغرف، ومرشد يعرف الأرض، وطاقم يتولى الطعام والعمل الميداني. في المغرب العربي، تتجمع هذه الخدمات حول برامج تسوّقها وكالات أوروبية ومحلية لهواة يأتون لأيام قليلة، وينفقون على أكثر من الطريدة.

بعد التجارب الخليجية، تنتقل «صيد» في الحلقة الثانية إلى سوق مختلفة: قربٌ من أوروبا، وبرامج للحجل والطرائد الصغيرة والخنزير البري، ومؤسسات تتولى التنظيم المحلي. ويتقدم المغرب وتونس بأمثلة تجارية وإحصاءات تكشف ملامح النشاط، فيما تفتح الجزائر سؤال الانتقال من تنظيم الصيد إلى بناء منتج سياحي متكامل.

كلب صيد يحمل طريدة؛ من صور برنامج صيد الطرائد الصغيرة بالمغرب لدى DHD-Laïka.
كلب صيد يحمل طريدة؛ من صور برنامج صيد الطرائد الصغيرة بالمغرب لدى DHD-Laïka.

المغرب: من ثلاثة أيام في البر إلى إقامة في مراكش

بحسب بيانات للوكالة الوطنية للمياه والغابات نقلتها القناة الثانية المغربية، استقبل نشاط الصيد السياحي نحو خمسة آلاف سائح قناص خلال موسم 2025–2026، ويضم القطاع 146 شركة متخصصة. هذه قاعدة من الزوار والمنظمين تتجاوز الرحلات الفردية المتفرقة.

وتوضح العروض كيف تصل السوق الأوروبية إلى الأرض المغربية. تعرض وكالة DHD-Laïka الفرنسية برنامجًا بين الرباط وطنجة، بثلاثة أيام صيد وأربع ليالٍ، يبدأ من 2,750 يورو للصياد ضمن مجموعة من خمسة فأكثر. يشمل العرض السفر من باريس، عدا رسوم المطارات، والإقامة والإعاشة والنقل والمرشدين والحمالين والتراخيص. إنها حزمة تتوزع خدماتها بين السفر الدولي والعمل في الوجهة، لا مبلغًا يدخل كله إلى الاقتصاد المحلي.

وفي نموذج مختلف يستهدف المجموعات الخاصة، تسوّق William Powell Sporting البريطانية برنامج «الكودية» في تلال الجبيلات قرب مراكش: يومان لفريق من ثمانية صيادين بسعر معلن يبلغ 40,400 يورو، يشمل الطاقم الميداني والضيافة والنقل والتراخيص والمعدات المحددة في العرض، ولا يشمل الإقامة الفندقية. وتتيح مراكش للمرافقين غير الصيادين الإقامة والزيارة والتسوق، فتتسع الرحلة خارج ساعات الصيد.

لكن المنتجين ليسا تجربة واحدة. ففي «الكودية»، يوضح المسوّق أن طيورًا مكاثرة تُطلق قبل الموسم. وهذا يختلف عن برنامج يقوم على الطرائد البرية؛ لكل نموذج إدارة ومتابعة بيئية، ولا تكفي كثافة الطيور أو ارتفاع السعر للحكم على استدامته.

وللمنظم المغربي موقع في البنية القانونية نفسها. فالإطار المنظم للصيد السياحي يربط استقبال السائح غير المقيم بمنظم معتمد، ويشترط في النشاط موارد بشرية ومشروع استثمار وتأجير مجال للصيد. بذلك لا يكون الشريك المحلي مجرد حلقة بيع؛ بل جهة تحمل مسؤوليات في إدارة الرحلة والمجال.

صيادان في الميدان خلال مشهد تصفه DHD-Laïka بأنه صيد خنزير بري بالدفع في تونس.
صيادان في الميدان خلال مشهد تصفه DHD-Laïka بأنه صيد خنزير بري بالدفع في تونس.

ليس ثمن طريدة

غرفة وطعام، نقل وإرشاد، وعمل ميداني ورسوم: هكذا تتوزع خدمات الرحلة. أما نصيب أهل المنطقة، فيتحدد بالأجور والمشتريات والعقود المحلية، لا بالسعر الإجمالي وحده.

مجموعة صيادين وطاقم تصوير بعد الصيد، مع خنزيرين بريين مطروحين؛ من موقع رحلات الصيد في تونس.
مجموعة صيادين وطاقم تصوير بعد الصيد، مع خنزيرين بريين مطروحين؛ من موقع رحلات الصيد في تونس.

تونس: سوق فرنسية واضحة… وفرق من القرى

في تونس، تمنح الأرقام صورة ملموسة عن الزائر والعائد العام. يسجل التقرير الوطني حول وضعية البيئة والتنمية المستدامة لسنة 2022 وصول 606 سياح صيادين في موسم 2021–2022، بينهم 532 فرنسيًا. وبلغت مداخيل الخزينة من الصيد السياحي 300,233 دينارًا تونسيًا. وهي حصيلة تاريخية للرسوم والإيرادات العامة المرتبطة بالنشاط، لا قيمة إنفاق الزوار كله ولا أرباح المنظمين.

وتبقى فرنسا حاضرة في واجهة التسويق. تعرض DHD-Laïka برنامجًا للخنزير البري بخمسة أيام صيد وست ليالٍ، بسعر 2,390 يورو للشخص ضمن مجموعة من عشرة إلى اثني عشر. وتصف تشغيل فريق من خمسة عشر إلى عشرين شخصًا من أبناء القرى لدفع الطرائد، مع فنادق ونقل وتنظيم محلي. وتفتح هذه الخدمات مجالًا لأعمال موسمية في القرى، ترتبط بمواعيد الرحلات ولا تعني بالضرورة وظائف دائمة طوال العام.

ومن داخل تونس، تقدم «ديزرت روز» برامج باللغة الإسبانية، فتظهر قناة أخرى للوصول إلى الزبون الأوروبي. والميزة هنا ليست اللغة وحدها؛ فالوكالة المحلية تجمع معرفة المنطقة بخدمات الإقامة والتنقل واستقبال المجموعة.

ويعطي التنظيم التونسي لهذا الدور مضمونًا عمليًا: يتولى الصيد السياحي منظّمون من وكالات الأسفار والمؤسسات الفندقية التونسية وفق شروط تنظيمية تشمل مرافقة مرشد، والتأمين، واستصدار رخص الصيد مسبقًا. وحين ترتبط الرحلة بمنظم مسؤول، تصبح متابعة المشاركين والطرائد جزءًا من الخدمة، لا أمرًا متروكًا للزائر.

أموال للخزينة… وليست رقم أعمال

300,233 دينارًا تونسيًا: مداخيل الخزينة من الصيد السياحي في موسم 2021–2022، وفق التقرير الوطني عن حالة البيئة. لا يشمل هذا الرقم تلقائيًا نفقات الفنادق والنقل والطعام، ولا يثبت تخصيصه كله لحماية الطبيعة.

الجزائر: التنظيم وحده لا يصنع وجهة

تتناول التشريعات الجزائرية الصيد السياحي صراحة، وتربطه بوكالة سياحية وبشروط خاصة، منها المجالات ذات التكاثر الاصطناعي. وقد أعلنت المديرية العامة للغابات افتتاح موسم الصيد 2026–2027 في 10 أكتوبر، وفق وكالة الأنباء الجزائرية. لكن افتتاح الموسم العام يختلف عن إتاحة برنامج سياحي أجنبي مستوفٍ لشروطه.

ولتوسيع هذا النشاط في صورة منتج سياحي، لا بد من جمع عناصر الرحلة: وكالة تتولى استقبال الزائر، ومجال مؤهل، وإقامة ونقل وإرشاد، وبرنامج واضح يمكن عرضه وحجزه. الدرس الذي تقدمه الأمثلة المغربية والتونسية أن الجغرافيا وحدها لا تكفي؛ ما يشتريه الزائر هو رحلة منظمة من الوصول إلى المغادرة.

موريتانيا: فرصة طرحتها خطط التنمية

وفي موريتانيا، تناول التشخيص التشغيلي لاستراتيجية السياحة، المعد عام 2017 بدعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمنشور لدى الوزارة، إمكان عودة الصيد السياحي تحت تنظيم صارم ومطبق، وبتنسيق بين قطاعي السياحة والبيئة. تضع هذه الرؤية شرط الإدارة قبل توسيع النشاط؛ وهي طرح تخطيطي تاريخي، لا إعلانًا عن برنامج صيد قائم اليوم.

من دخل موسمي إلى مورد مستدام

توضح النماذج المغاربية أين يمكن أن تنشأ القيمة: في النزل والفندق، وعند السائق والمرشد والطاهي والعامل الميداني، وفي الرسوم التي تحصلها الدولة. ويمكن للمرافقين والأنشطة السياحية المحيطة أن يوسّعوا دائرة الإنفاق، بدل أن تبقى الزيارة محصورة في يوم صيد واحد.

لكن تحويل الفرصة إلى تنمية يحتاج أكثر من زيادة عدد الزوار. العقود والأجور والمشتريات المحلية تحدد ما يبقى في المنطقة، كما أن التدريب والسلامة وانتظام المواسم تؤثر في جودة العمل واستمراره. ومن الجهة الأخرى، تتطلب الطرائد والموائل متابعة علمية وحصصًا ورقابة؛ فالضغط على المورد الطبيعي قد يقوّض النشاط الذي يعيش منه الناس.

لهذا، لا يكفي وصف الرحلة بأنها «مستدامة» في إعلانها. المعيار هو الجمع بين نشاط قانوني قابل للمتابعة، وخدمات يستفيد منها أهل المكان، وإدارة تحافظ على المورد للمواسم المقبلة. عند هذا التقاطع، يصبح الصيد السياحي أكثر من رحلة عابرة: فرصة لاقتصاد محلي يستحق التنظيم والقياس والحماية.

المصادر: الوكالة الوطنية للمياه والغابات المغربية كما نقلت القناة الثانية؛ التقرير الوطني التونسي حول وضعية البيئة والتنمية المستدامة لسنة 2022؛ التشريعات المنظمة للصيد السياحي في المغرب وتونس والجزائر؛ وكالة الأنباء الجزائرية؛ تشخيص استراتيجية السياحة الموريتانية لعام 2017؛ العروض المنشورة للجهات المنظمة. الأسعار أمثلة تجارية منشورة عند المراجعة في 23 أكتوبر 2026، وليست متوسطات للسوق أو تأكيدًا لتوافر الحجز.

من السلسلة: الصيد السياحي في بلدان الخليج العربية.
في الحلقة المقبلة: الصيد السياحي في مصر والعراق والأردن.

مصادر الصور: William Powell Sporting، DHD-Laïka، Chasse Sanglier Tunisie

اقرأ أيضًا