
تحب الصيد وتعدّه جزءًا من هويتها، لكنها حين تُخيَّر بين رحلة صيد ومهمة لإنقاذ طائر، تختار المكافحة. مديرة وحدة مكافحة الصيد الجائر APU تروي لـ«صيد» ما يبقى من الميدان: جناحًا تحت حجر، ولقلقًا أسند رأسه إلى يدها، وعوسقًا استعاد بصره وحريته.
كان أحد جناحي حوّام العسل مصابًا، وعلى الجناح الآخر حجر يمنعه من الهرب. حين وجدته شيرين بو رفول في الحقل، كان يحاول سحب جناحه من تحت الحجر ليتحرر. بقيت تلك المحاولة في ذاكرتها، وصارت من المشاهد التي تعود إليها كلما استحضرت بداياتها في حماية الطيور.
لم تأتِ شيرين إلى هذا العمل من خصومة مع الصيد. كانت صيّادة، ولا تزال تقول: «أنا كتير كتير بحب الصيد، وجزء من هويتي». لكن بين الصيد الذي تحبّه والطائر الذي يُترك مصابًا ومقيّدًا، مسافة اختارت أن تقف عندها.
بدأت بالمشاركة في نشاطات مركز الشرق الأوسط للصيد المستدام ومكافحة الصيد الجائر MECSHAP، وشعرت بأنها تنتمي إلى هذا المكان. تطوّعت لرئاسة وحدة مكافحة الصيد الجائر APU، ثم اتسعت مساحة العمل في حياتها حتى غدا، بتعبيرها، «جزءًا لا يتجزأ» منها.
ومن وادٍ إلى آخر، تتنقّل شيرين في مهمّات مكافحة الصيد الجائر عبر المناطق اللبنانية بلا استثناء: من الشمال إلى الجنوب، ومن البقاع إلى الجبل والساحل.
وفيما يتذمّر بعض مخالفي الصيد من شيرين وجهودها الميدانية، يساندها كثير من الصيادين الملتزمين بالصيد المستدام، ويبلّغونها عن المخالفات أو عن الطيور المصابة التي يعثرون عليها. وبين شكاوى المخالفين ومساندة هؤلاء الصيادين، تمضي في مهمّاتها، حاملةً معها قصصًا لا تنتهي بانتهاء الدورية.


رأس لقلق على يدها
ثمة لقاء آخر لا يفارقها. كان طبيب الوحدة يجري عملية في جناح لقلق، وكانت شيرين تثبّت الجناح. استدار الطائر برقبته وأسند رأسه إلى يدها.
«مش قادر يعمل شي غير إنّه يتّكي راسو على إيدي»، تقول، مستعيدةً اللحظة كما شعرت بها. وتتذكر أثر تلك الحركة فيها: طائر جريح، وجناح بين يدي الطبيب، ورأس يستقر على يدها.
منذ ذلك الوقت، صار وجع الطيور التي تُصاب بالرصاص أقرب إليها. لم تعد الحماية فكرة عامة؛ باتت مرتبطة بطيور حملتها وساعدت في علاجها، وبأخرى لم يستطع الفريق إنقاذها.
عوسق بعينين مخيطتين
في حملة هذا الخريف، وجدت شيرين نفسها أمام مشهد آخر من التعذيب. بحسب روايتها، صادف الفريق شخصًا يستخدم عوسقًا لاستدراج شاهين، بعدما أُغلقت عينا الطائر بالخيط.
كان العوسق حيًّا، يرفرف، وقد حُرم من الرؤية ليُستخدم طُعمًا. لا تجد شيرين وصفًا يخفف قسوة ما رأته: «بتقدر حدا يخيطلك عيونك وإنت عايش؟».
أخذ الفريق الطائر وأزال الخيط. احتاج العوسق بعض الوقت قبل أن يستعيد قدرته على الرؤية، كما تروي، ثم أُطلق وعاد إلى الطيران.
هذه المرة، انتهت القصة بالحرية. لكن الميدان لا يمنح العاملين فيه النهاية نفسها كل مرة.

شاهين لم تنقذه المحاولات
عثر زملاؤها، خلال الدوريات، على شاهين في حالة حرجة. وللتعامل معه بأكبر قدر ممكن من الدقة، تقول شيرين إن الفريق تواصل مع مستشفى للصقور في الإمارات وأرسل صور الأشعة.
وبحسب ما تنقله عن الاستشارة، كانت الكسور شديدة، وأُثير أيضًا احتمال التسمم بالرصاص الموجود في جسمه. بقي الأمل قائمًا، واستمرت محاولات إنقاذه، لكنه نفق.
«زعلنا كلّنا»، تقول. ولم تكن هذه أول مرة يصل فيها طائر بإصابات تفوق قدرة من يحاولون إنقاذه.
مع ذلك، لم تدفعهم الخسارة إلى الانسحاب. تقول إنّها زادت إصرارهم على حماية ما يستطيعون حمايته، قبل أن تصبح الإصابة قصة أخرى بلا نهاية سعيدة.
حين يتعاون الصيادون وحماة الطيور

خلال مواسم الصيد خصوصًا، يكاد عمل شيرين يشبه عمل الطبيب المناوب. تتلقى المكالمات والشكاوى في مختلف الأوقات، وتنطلق مع مساعديها في مهمّات سريعة لإنقاذ طيور مصابة أو تحرير طيور جارحة محتجزة. وتتحرك بتوجيه من رئيس تحرير «صيد» ومدير مركز MECSHAP، أدونيس الخطيب، وتستعين بالقوى الأمنية في المهمّات التي تستدعي حضورها.
وتوثّق صور عديدة وجودها إلى جانب عناصر القوى الأمنية خلال ضبط مخالفات الصيد، وتنظيم محاضر الضبط ومصادرة بنادق الصيد. وقد رافقتهم في الحملة الأخيرة التي شملت إزالة أكثر من 38 ألف متر مربع من شباك إعدام الطيور.


وتشيد شيرين بجهوزية عناصر قوى الأمن الداخلي وسرعة استجابتهم، وتعتبر حضورهم حاسمًا في إنجاز المهمّات. كما تتحدث عن التعاون مع لجنة مكافحة ذبح الطيور CABS بوصفه أحد أسس نجاح العمل، وتجد دلالة خاصة في أن تعمل جهة تُعنى بمكافحة قتل الطيور إلى جانب مركز ينطلق من الصيد المستدام.
.jpg)
بالنسبة إليها، ليست المسألة مواجهة بين كل صياد وكل مدافع عن الطيور. وهي ترى الدليل في أشخاص كانوا يرتكبون مخالفات جسيمة، ثم صاروا يساعدون في الحماية، ويبلّغون عن المخالفات، وينشرون التوعية.
هذه التحولات تمنحها الأمل أكثر من أي كلام عام عن إمكان التغيير.
الحرب والسؤال الأصعب
لم يكن أصعب ما واجهته هذه السنة مرتبطًا بطائر وحده. خلال الحرب، أمام البيوت المهدمة والعائلات التي تفقد أفرادها والأطفال الذين يموتون، وجدت شيرين نفسها تتساءل عن قدرتها على مواصلة العمل.
كيف تركض في الميدان لحماية الطيور، وأهل وأصدقاء يتألمون ولا تستطيع وقف ما يصيبهم؟
تروي أن الفريق حاول المساعدة بما استطاع. وبعدما هدأت الأحوال نسبيًا، عادت إلى مهمتها. لم يكن ذلك نسيانًا لمعاناة الناس، بل عودة إلى ما تستطيع القيام به: «إذا كل حدا عمل اللي عليه، كل شي بيتنظّم».
لا تختصر شيرين واقع الصيد غير القانوني بحكم واحد. ترى مخالفات تتراجع في أماكن، وأشكالًا تتغير في أماكن أخرى، وتلاحظ أن الضغوط المادية تدفع بعض الممارسات نحو التجارة. تتفهم صعوبة الظروف، لكنها لا تراها مبررًا للصيد الجائر.
ولا ينتهي العمل مع النهار. تتحدث عن دوريات ومهمات مشتركة لمكافحة الصيد الليلي غير القانوني، وعن التوعية وتوقيف المخالفين من جانب الجهات المختصة.
أما رحلة الصيد التي قد ترغب فيها لنفسها، فتبقى ممكنة حين تكون مطمئنة إلى أن مهمةً أخرى لا تنتظرها. وعندما يجتمع الخياران في الوقت نفسه، لا تتردد: «أكيد بفضّل وبختار المكافحة».
من حوّام العسل تحت الحجر إلى العوسق الذي عاد يرى ويطير، صار للصيد في حياة شيرين وجه آخر أيضًا: أن تعرف متى تخرج إلى الميدان، لا لتعود بطائر، بل لتتركه يعود إلى السماء.
الصور: وحدة مكافحة الصيد الجائر APU

