
Amira Rajab / dpa
مثلث لبنان–قبرص–مصر نموذجًا: المصبات والملاحات والبحيرات والمرافئ في حسابات حماية موائل الطيور.
في 2026، تعيد تقارير إدارة الدامور في لبنان، ودراسة جديدة عن بحيرة المنزلة في مصر، والجدل حول توسعة مرفأ لاتشي في قبرص فتح سؤال واحد: أين تستريح الطيور حين يتغيّر الساحل؟ عند حافة الماء، تحتاج إلى مصبّ تصله المياه، وضفة ضحلة تختزن الغذاء، وقصب يحميها، أو صخرة هادئة بعد الغوص. هذه التفاصيل تصنع قيمة المكان كموئل، وتستحق أن تدخل في حسابات التنمية منذ الخطوط الأولى للمشروع.
لبنان | من مصب الدامور إلى ملاحات أنفه

EPA / The National
في 2026، تعيد خطة الإدارة المتكاملة للدامور فتح ملف العلاقة بين النهر والساحل. وتكشف التقارير حجم الضغط على المنطقة: نحو 200.7 هكتار من الأراضي الزراعية تحوّلت إلى عمران بين 2014 و2024 في نطاق الدراسة بالحوض، إلى جانب تحديات سحب المياه والتلوث والبناء على الضفاف.
وتكتسب هذه الضغوط أهمية خاصة عند المصب ومحيطه، حيث تلتقي المياه العذبة بالبحر، ويتصل المجرى بالسهل الزراعي والنباتات الساحلية. هذه المنطقة من موائل الطيور المهاجرة في لبنان؛ وقد وثّقت المسوحات في المجرى الأدنى للدامور أنواعًا مهاجرة ومقيمة، بينها البجع الأبيض والكركي. حماية المصب تعني، بالتالي، الحفاظ على مساحة تستخدمها الطيور، وعلى اتصالها بالمياه والغطاء النباتي المحيط بها.
وتضع التقارير الحديثة وصول المياه إلى المصب ضمن أولويات الإدارة، إلى جانب استعادة الضفاف وضبط استعمال الأرض. فحماية الجزء الساحلي ترتبط بما يجري أعلى النهر؛ السحب والتلوث والتعديات تنتقل آثارها عبر المجرى حتى نهايته عند البحر.
وعلى الساحل الشمالي، تحمل ملاحات أنفه وجهًا آخر لهذه العلاقة. بين البحر والصخر تمتد أحواض ضحلة صنعتها حرفة استخراج الملح، فتشكّل مشهدًا يجمع العمل والتراث والطبيعة. وتوثّق المصادر دورها كمواقع تستريح فيها الطيور المهاجرة وتتغذّى، فيما أصبحت بعض الأحواض المتروكة ملاذًا لها. المساحات التي قد تبدو غير مستثمرة تحتفظ بذلك بوظيفة حيّة في رحلة الطيور.
وتواجه الملاحات ضغط تغيير استعمال الساحل والتوسع السياحي، ما يجعل حمايتها قضية تتجاوز الحفاظ على مهنة تقليدية. المطلوب صون الأحواض واتصالها بالبحر وطابعها المفتوح، بحيث يستمر إنتاج الملح وتبقى للطيور مواقع التغذية والراحة.
وعلى شاطئ البترون، تمنح «بجوعة» الشهيرة العلاقة بين الطيور والساحل وجهًا مألوفًا. صورتها عند حافة البحر تقرّب السؤال من الناس: أين تجد الطيور مكانًا للراحة والغذاء، وكيف نحافظ على هذه المساحات حين يتغيّر الشاطئ؟
مصر | المنزلة: مياه أكثر… وموائل مختلفة

اليوم السابع
تضع دراسة علمية نُشرت في 2026 بحيرة المنزلة أمام سؤال دقيق: كيف تتغير حياة الطيور عندما تتسع المياه المفتوحة على حساب القصب والضفاف الضحلة؟
قارنت الدراسة عشرين موقعًا داخل محمية أشتوم الجميل، شمال شرقي البحيرة، قبل التكريك وإزالة الغطاء النباتي وبعدهما. وأظهرت انخفاضًا في الغطاء النباتي وتنوع الطيور ووفرتها ضمن منطقة الدراسة، مع اختلاف الاستجابة بين مجموعات الطيور بحسب الموائل التي تعتمد عليها.
فالطائر الخوّاض يبحث عن غذائه في المياه الضحلة والأرض الموحلة، بينما تستفيد طيور أخرى من مساحات المياه المفتوحة. وحين يتغيّر عمق الماء أو تختفي النباتات، يتغيّر توزيع الفرص بينها. لذلك، قد تبدو البحيرة أوسع وأكثر انفتاحًا، فيما تفقد بعض الموائل التي تمنحها تنوعها.
وتوصي الدراسة بإتاحة عودة القصب واستعادة مساحات ضحلة وموحلة على الحواف. وهذه توصيات تربط تأهيل البحيرة باحتياجات الطيور: مياه مفتوحة للغوص والسباحة، ونباتات للاختباء والتعشيش، وضفاف للتغذية والراحة.
وتزداد أهمية هذا التنوع في أشتوم الجميل، حيث تلتقي بيئة البحيرة بالمتوسط. فاختلاف المياه والنباتات والحواف يصنع سلسلة من الموائل، تستخدمها الطيور بطرق مختلفة.
المغزى أن نجاح التأهيل يُقاس أيضًا بما يحتفظ به المكان من تنوع. تنظيف المياه وتحسين حركتها يمكن أن يترافقا مع حماية القصب والضحاضح والجزر. حين تبقى هذه العناصر حاضرة، تظل البحيرة قادرة على استقبال طيور ذات احتياجات متعددة، وتحتفظ بوظيفتها كمساحة حيّة عند الساحل.
قبرص | لاتشي: المرفأ داخل خريطة الطيور

BirdLife Cyprus
في تشرين الأول 2026، أعادت «بيردلايف قبرص» طرح سؤال حدود التنمية مع مشروع توسيع مرفأ لاتشي في شمال غرب الجزيرة. وقالت الجمعية إن التوسعة المقترحة ترفع سعة قوارب النزهة من 200 إلى 384، في خليج خريسوخوس الذي تحيط به مناطق محمية وتعيش فيه طيور بحرية وسلاحف وفقمة المتوسط، وتنتشر في مياهه مروج البوسيدونيا.
الجديد في النقاش هو ما تكشفه حركة الطيور نفسها. فبحسب الجمعية، تُظهر بيانات مشروع «باندوتيرا» استخدامًا منتظمًا لساحل أكاماس والخليج من جانب الغاق الأوروبي المتوسطي، مع زيارات متكررة للطيور اليافعة إلى محيط المرفأ. مساحة الرسو والحركة في المخطط الهندسي تظهر على خريطة الطائر مكانًا للغذاء والاستراحة.
وتساعد أجهزة التتبع على فهم هذه العلاقة؛ فهي تكشف أين تتنقل الطيور بعدما تغادر أعشاشها، وأي أجزاء من الساحل تستخدمها خلال يومها. الغاق الذي يعشش على الصخور والجزر الساحلية يحتاج أيضًا إلى مياه يجد فيها غذاءه، ومواقع يستطيع الوقوف عليها بهدوء بعد الغوص.
تحذّر الجمعية من زيادة الضجيج والإضاءة والتلوث والوجود البشري مع ارتفاع عدد القوارب، وتطالب بتقييم الآثار المتراكمة على الخليج كله. فالموائل البحرية مترابطة، وحركة الطيور تتجاوز حدود المشروع المرسومة على الورق.
هنا تكمن أهمية الحالة القبرصية: إدخال مواقع التغذية والراحة في قرار التوسعة وشروطها، والنظر إلى المرفأ ضمن البيئة التي يعمل فيها. معرفة مكان العش وحده لا تكفي؛ خريطة الحماية ينبغي أن تتسع لحياة الطائر اليومية.
ما الذي يبقى عند حافة الماء؟
من الدامور وأنفه إلى المنزلة ولاتشي، تختلف التدخلات والطيور، لكن السؤال واحد: ماذا نحفظ لها حين نغيّر الساحل؟ مصبّ تصله المياه، وصخور هادئة، وقصب وضفاف ضحلة؛ عناصر ينبغي أن تظهر في مخططات التنمية كما تظهر الأرصفة والطرق. فالساحل الذي يتسع لحياة الناس يستطيع أيضًا أن يترك للطيور مكانًا تستريح فيه.